أخبار

خطيب المسجد الحرام: الدنيا دار ممر لا مقر

هلك فيها خلق كثير، فإياكم أن تحكموا على ما ترون، أو تسمعون من هذه الشبكات والمواقع، فخلفها صور زائفة وادعاءات كاذبة، وكلمات منمقة، وواقع كريه، يدَّعون النصح وهم الكذَّابون، ويزعمون الإخلاص وهم المخادعون، في كثير منها متابعٌة لما لا ينفع، واطلاعٌ على ما لا يفيد، فيا معاشر الشباب إن القلب المنهمك في مطالعة الكتب، وتصفح المواقع المتضمنة للتصورات الفاسدة، والتشكيكات المضلة، يكون عرضة لتشرب هذه المفاهيم المنحرفة، واسمعوا نصيحة شيخ الإسلام ابن تيمية لتلميذه ابن القيم رحمهما الله يقول: “لا ‌تجعل ‌قلبك للإيرادات والشبهات مثلَ السِّفنجة، فيتشربها، فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة، تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أَشْرَبتَ قلبَك كلَّ شبهة تمر عليك صار مقرًّا للشبهات ” انتهى كلامه رحمه الله.

 

ودعا فضيلته إلى ضرورة العناية بمصادر التلقي، من أجل الوصول إلى المعلومات الصحيحة، والحقائق الثابتة، وضبط العلاقة بين العقل والنقل، والتفريق بين خبر المعصوم، وخبر غير المعصوم، مبيناً أن المعصوم هو الذي لا يصدر عنه خطأ، وهذا هو خبر الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، والسنة الصحيحة الثابتة ممن لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام إن هو إلا وحي يوحى، وإجماع الأمة الثابت.

 

وقال: “وأما ما عدا ذلك فهي مصادر محترمة يستفاد منها، وفيها خير كثير، ولكنها ليست معصومة مهما بلغ صاحبها من المنزلة العلمية، والإمامة في العلم، والدين”.

 

واستطرد في الخطبة قائلاً: يقول الشيخ السعدي رحمه الله: “من الناس من هو ‌ضعيف ‌الإيمان لم يدخل الإيمان قلبه، ولم تخالطه بشاشته، بل دخل فيه إما خوفاً، وإما عادة على وجه لا يثبت عند المحن، مستشهداً بقول الله تعالى {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ} أي: إن استمر رزقه رغداً، ولم يحصل له من المكاره شيء، اطمأن بذلك الخير، لا بإيمانه، فهذا ربما أن الله يعافيه، ولا يقيض له من الفتن ما ينصرف به عن دينه: {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ} من حصول مكروه، أو زوال محبوب: {انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} أي: ارتد عن دينه: {خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ} أما في الدنيا، فإنه لا يحصل له بالردة ما أمله الذي جعل الردة رأسا لماله، وعوضاً عما يظن إدراكه، فخاب سعيه، ولم يحصل له إلا ما قسم له، وأما الآخرة: فظاهر، حُرِم الجنة التي عرضها السماوات والأرض، واستحق النار: {ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} أي: “الواضح البين”، وإلا فاتقوا الله رحمكم الله، وتأملوا ما يقوله ابن القيم رحمه الله: إن في القلب فاقة، وفراغاً، وحاجة لا يسدها شيء سوى الله تعالى، وإن في القلب شعثًا لا يلمه إلا الإقبال عليه سبحانه، وفيه مرض لا يشفيه غير الإخلاصِ له، وعبادتِه وحده لا شريك له، فالقلب دائماً يضرب على صاحبه حتى يسكن ويطمئن إلى إلهه ومعبوده، وحينئذ يذوق طعم الحياة، ويصير له حياة غير حياة الغافلين المعرضين.

المصدر: الرياض

زر الذهاب إلى الأعلى