
• يوم الجمعة؛ اعترض جنود الأمن رجلًا أراد الصعود لمنبر الحرم المكي، أثناء إلقاء خطبة الجمعة، وقالت الأجهزة الأمنية أن الرجل يدّعي أنه المهدي المنتظر. حكاية المهدي تتكرّر وتتناسل عبر الأجيال والحقب، وبرأيي أنها مرتبطةٌ بتلك التربويات التي تجعل أخبار الملاحم والآثار وفتن آخر الزمان في مقدمة أولوياتها.
• تحاول تلك التربويات جاهدة غرس تلكم الأخبار، بسقيمها وعليلها، في نفوس المتلقين والناشئة. وقد أشرت في مقالات عديدة كتبتها من عشرين عامًا إلى أن التأريخ يحكي لنا بأن ثقافة الغيبيات وأخبار الملاحم تروج في أزمنة الانكسار والهزيمة؛ كهروب تلقائي سهل تنزع له الأنفس بحثًا عن أملٍ تتعلق به للخروج من ذلها، وتبرير هزيمتها الحضارية.
• أتذكر أنني كتبت مقالة في ملحق الرسالة في 2007، حيث أجرى أحد المراسلين عندي حوارًا مع أحد المسكونين بموضوع المهدي المنتظر، وكنت أقدّم رجلًا وأؤخر أخرى في نشره أو حجبه. صاحب القصة مواطنٌ سعودي هجر منزله، وأودع أولاده لدى أخيه، واعتكف تمامًا في بالمسجد الحرام في مكة المكرمة، منتظرًا المهدي.
• أمضى هذا الرجل -في ذلك الوقت- أكثر من سبع سنوات كاملات، منتظرًا علامات آخر الزمان، وقد تيقن بظهور المهدي في تلكم الأيام، على أمل مقابلته والالتحاق بركبه. في البداية ظننت أن الرجل يعاني من اضطرابات نفسية أو لعله كان كهلًا قد أنهى مهماته الإنسانية في الحياة، وشعر بدنو الأجل. هكذا خمنت..
• لكنّ الزميل المراسل أكدّ لي أن الرجل يتمتع بكامل صحته النفسية، وأنه في نهاية الأربعينيات من عمره. فباشرت إعداد بعض الأسئلة الإلحاقية لمعرفة الكيفية التي جزم بها بأن المهدي قد آن أوان ظهوره، وكيف تلقى هذا الفكر الذي جعله يهجر أبناءه ويبيع منزله، ومن هم أولئك العلماء الذين قالوا بذلك، ولوّثوا فكره.
• سألناه عمّا إذا كان قد ناقش علماء الحرم المكي وأئمته، وهم متوافرون أمامه طيلة الوقت، فضلًا عن بضعة أسئلة حاولنا من خلالها معرفة الكيفية التي أوصلته لهذا الفكر. بعد أن قرأت إجابات الرجل، أطلقت زفرة حملت كل حرقتي التي اعتملت بداخلي، فقد صُدمت من تكييفه للأحاديث والقناعات الخاطئة التي وصل لها، واعتقدها إيمانًا وتدينًا.
• في زيارتي لسجن المباحث بالدمام عام 2012، كان من أغرب ما رأيت هناك؛ ثلاثة سعوديين مسجونين من 12 عامًا -في ذلك الوقت- ولا أدري هل ما زالوا أم انعتقوا عن فكرهم؟!. شبابٌ في منتهى الأدب واللياقة، كان أميرهم سالم الخالدي، شقيق أحمد الخالدي أحد منظري الفكر القاعدي الكبار، وأخوه يختلف فكريًا عنه بالكلية.
• ورغم أنّ الحكم الصادر عليهم، يقول بفورية إطلاق سراحهم إن تركوا فكر الاعتقاد بالمهدي المنتظر؛ إلا أنّهم رفضوا ذلك، ووقتما استفهمت منهم، أجابني الخالدي: “نحن بايعنا أبا عبدالله، حسين بن موسى الحيدي، الموجود بالكويت بأنه المهدي المنتظر”، تعجبت، وقلت: “للآن أنتم تبايعونه وترونه المهدي المنتظر؟”=
• أجابني: “نعم، وهذا من حقنا، ولم يقنعنا مشايخ النصيحة، وقد أمّرني أبو عبدالله عليهم، ونحن باقون على العهد له، ولن نترك هذا الفكر، وللأسف يصنفوننا مع الإرهابيين، ونحن ضد ذلك الفكر، بل يعلم الله تعاوننا مع إدارة السجن، التي نشكرها على ما تقدمه لنا، وتعاملنا أحسن المعاملة”. ولا تتصوروا صدمتي العميقة والله منه وزملائه.
• خرجت من عندهم متعجّبًا ومتأسّفًا أنّ شبابًا بهذه الروح الرائعة يظلون أسرى لفكرة مبايعة المهدي المنتظر، وظني أن هذا الفكر يتناسل مع الأجيال، طالما هناك مؤولون لكل الأخبار وأحاديث آخر الزمان، بالكيفية التي ستتساوق ورؤيتهم الخاطئة واجتهادهم الغبي، وللأسف الشديد هناك من الأجيال من يتلقفها، ويخسر شبابه وعمره في سبيلها.
• أجدّد ندائي بعدم ترك مثل هاته التأويلات الساذجة تروج في محاضننا التربوية أو بيئاتنا الشرعية أو أجوائنا المجتمعية. كلنا نؤمن بما ثبت في الصحاح حيال الإمام المهدي ومسائل الملاحم وأشراط الساعة، مع أن في الأمر متسعٌ للاختلاف، حتى بين أهل السنة والجماعة، مع تأكيدي على ضرورة محاسبة كل من يتأول من غير العلماء الثقاة.
• اعتراضي هنا، في مسألة المهدي وأحاديث آخر الزمان؛ يتحدد في مسألة تربية الأمة على عقيدة الانتظار، والتوسل في خطابنا الوعظي بأخبار الملاحم بضعيفها وسقيمها، والتوسع في غرس هذه الثقافة التي تساهم بدور قاتل في تخدير الأجيال بما يتنافى ودورنا كأمة مأمورة بالعمل والبناء والمزاحمة والتدافع الحضاري.
• إنها لا تتعلق بحالة فردية لرجل شبه أمّي مثلًا، بل تتجاوزها إلى أبعد من ذلك. وقد جلست مطولًا -في سنوات بعيدة -وتحاورت مع أخوة يحملون شهادات عليا ويؤمنون بيقينية جازمة بجملة من هذه الملاحم التي لا يصحّ معظمها، ويعبثون بأشراط الساعة الكبرى، ويكيّفونها بهواهم، مسقطينها بطريقة إنشائية عاطفية ساذجة على واقعنا الآن.
• غير مدركين -غفر الله لنا ولهم- فداحة ما يفعلون بأجيال قد تتأثر ببساطة وتفاهة الطرح. لست في وارد الاستعداء -معاذ الله- بقدر ما هي محاولة قيامٍ بالدور المطلوب مني كمسلم تجاه دينه ووطنه، وأستحضر ما فعله جهيمان وزمرته عندما امتطى هذه الموجة، وضرب على الوتر العاطفي بتأويلاته الصلعاء .
• تتذكرون ما راج إبان إعدام صدام حسين، وإيمان البعض أنه السفياني. أكثر من يروّج للمهدي وتلكم الأخبار والملاحم هم من صبية ومراهقي داعش، ومن يحاور أولئك المتطرفين سيجد أغلبيتهم العظمى مؤمنون بهاته الغيبيات التي لا يصح معظمها، فضلًا عن إيمان البعض الآخر -البعيد عن داعش- لرؤيةٍ قاصرة عنده وشبهةٍ أعمته.
• سيتكرر ظهور هؤلاء المؤمنين بفكر المهدي المنتظر، وسيتوالدون في كل عصر ومصر، ولن يخف ظهورهم إلا برواج العلم الشرعي الصحيح الذي يستصحب العقلانية، ويمازج ويواكب العصر وتقدمه، ومن الضروري محاسبة كل من يجتهد بغباء ويتأول بسذاجة تؤدي للتطرف والعته والابتعاد عن مقاصد ديننا العظيم.