“عبدالعزيز”… حين أزهرَ الحفيدُ على أطرافِ العُمرِ

بقلم: عبدالعزيز قاسم
إعلامي وكاتب صحفي
1=
لقد أرجأتُ الكتابةَ عنكَ –يا حفيدي– لأنَّ الحروفَ، ساعةَ ضممتُكَ إلى صدري لأوّلِ مرّةٍ، كانت تغرقُ في سيولٍ جارفةٍ من العاطفةِ. خفتُ أن يخونَني القلمُ، وأن يتهدّجَ صوتُ الجدِّ الذي شارفَ الستِّين، وهو يكتشفُ في الدقيقةِ عينِها أنَّ قلبَهُ ما زال يقدرُ على دهشةِ الولاداتِ الأولى.
ثلاثةُ أسابيعَ مضتْ، هدأتِ العاصفةُ قليلًا، لكنَّ رنينَ تلكَ اللحظةِ ما زال يهزُّ جدرانَ روحي. طفلٌ صغيرٌ يحملُ اسمي، كأنَّ الحياةَ اختارت أن تهديني ولادةً ثانيةً دونَ أن أطلبَها.
وها أنا ذا اليومَ، بعد أن رستْ سفينةُ مشاعري قليلًا على شاطئِ الهدوءِ، أحاولُ أن أستجمعَ شتاتَ تلكَ اللحظةِ التي لم تكنْ لحظةً، بل كانت عُمرًا يُهدى في هيئةِ وليدٍ. ضممتُكَ إلى صدري، أنتَ الذي حملتَ اسمي، فشعرتُ كأنَّ الحياةَ أهدتني مفتاحًا سريًّا لبوّابةِ ولادةٍ أخرى، أنا الذي كنتُ أَحسبُ أنَّ الأبوّةَ هي أقصى محطّاتِ العشقِ، وأرفعُ منازلِها.
2=
يا للهِ! أتأمّلُكَ، أتفرّسُ فيكَ، والمشاعرُ والأفكارُ تَدْهَمُني من كلِّ صَوْبٍ…
أنتَ، يا عبدالعزيزُ، طفلٌ صغيرٌ حملَ اسمي، كأنَّ الزّمنَ أعادَ صِياغتي في نُسخةٍ جديدةٍ، أنقى وأجملَ.
أتَمعّنُ وجهَكَ المُتورِّدَ، الذي لم يَسْتفقْ بعدُ من بَهْجةِ الرَّحمِ، جَبْينَكَ الأملسَ، تجاعيدَكَ الغَضّةَ التي تُشي بسرِّ النموِّ، وعينيكَ اللتينِ تتفتّحانِ على العالَمِ ببطءٍ يُشبهُ طُلوعَ الفَجرِ؛ فيهِ توجُّسٌ وحياءٌ وجمالٌ.
تَلوبُ بي الأفكارُ وتُطَوِّحُني، وأُسافرُ بأخيلتي لعوالمَ بعيدةٍ بعيدةٍ، ولا يُعيدني لواقعي إلّا رائحةُ الطفلِ فيكَ، وما أشهى رائحةَ الأطفالِ!
تلكَ الرّائحةُ التي لا تُشبهُ إلّا عِطرَ البداياتِ، كالفجرِ حينَ يُقبِلُ بصمتِهِ المُقدّسِ، شذى وُرودِ الطائفِ حينما تتفتّقُ، ورائحةُ تُرابِها بعدَ أوّلِ مطرٍ.
صدقوني، رائحةُ الأطفالِ هي رائحةُ الحياةِ في أنقى صُوَرِها، نشيدُ البراءةِ الأوّلُ الذي يُعزفُهُ الوجودُ، رائحةٌ لا تُوجَدُ إلّا في بطونِ الأمهاتِ وحدائقِ الجَنّةِ.
3=
يا عبدالعزيز…
جِئتَني، وأنا مَن كانَ قبلًا يُوصي أبناءَهُ بالتروّي في الإنجابِ، وألّا يُكرِّروا خطأَ أبيهم، عندما وعى وهو أبٌ لطفلينِ في الخامسةِ والعشرينَ من عمرِه.
أدرَكتُ – في اللحظةِ التي وُضعتَ فيها بينَ يديّ – كم كنتُ أحمقَ حين ظننتُ أنَّ العُمرَ لا يحتملُ مفاجآتٍ أكبرَ من الأبوّةِ.
ها أنتَ تُثبتُ أنَّ الأطفالَ وعدٌ رقيقٌ تهمسُ بهِ الحياةُ لِمَنِ اقتربَ خريفُه، فتبعثُ في عُروقهِ ربيعًا لا ينتهي.
ما كنتُ أدري أنَّ القدرَ كان يخبّئُ لي، خلفَ سَتائرِ الغيبِ، هديةً سماويّةً بحجمِ قلبِكَ الصغيرِ هذا.
*الآنَ فقط، أدرَكتُ فداحةَ جهلي، وأنا مَن كنتُ أظنُّ أنَّ الأبوّةَ هي ذُروةُ العاطفةِ، حتى جِئتَني أنتَ، فأدرَكتُ أنَّ الحفيدَ نكهةٌ أخرى، نكهةٌ تُشبهُ الخلودَ.*
4=
طالما سمعتُهم يُردّدونَ: “معزّةُ الحفيدِ شيءٌ آخرُ، طَعمٌ لا يُشبهُ طَعمَ الأبناءِ”، وكنتُ أبتسمُ في سِرّي، وأنا أظنُّها مُبالغاتِ الجدّاتِ اللواتي يُرضعنَ الحكايا، ويتسلّينَ بها في وحدتِهِنَّ.
بقيتُ على هذا الظنِّ، حتى وضعتُكَ بينَ ذِراعيّ.
هناك، في تلكَ الثانيةِ الخالدةِ، وَثبَ قلبي من مكانِه، وشعرتُ بهِ يركضُ في صدري كطفلٍ حُبِسَ طويلًا، ثم أُطلِقَ فجأةً نحوَ النورِ.
واغرورقتْ عيناَي…
إنهُ النورُ الذي لا يُفسَّرُ، ولا يُصنَّفُ…
النورُ حينَ يلبسُ جَسَدًا صغيرًا، ويقولُ لكَ: “أنا البدايةُ من جديدٍ.”
5=
وأنا أَحملُكَ، أدرَكتُ أنّني لا أَعتنقُ جَسَدًا رضيعًا، بل أحتضنُ زَمنًا بكاملهِ يبدأُ بكَ، ويُعيدُ ترتيبَ سنواتي على سُلّمٍ موسيقيٍّ لم أُعزفهُ من قبل.
روحي – لا ذِراعاي وحدَهما – من كانت تَدورُ حولَكَ دورةَ كوكبٍ حولَ شمسِه، كأنَّكَ وُلدتَ لتُوقظَ فيَّ الطفلَ الذي أجلتُهُ طويلًا وراءَ ترحالي.
يا حفيدي…
لَرُبّما ستقرأُ هاتهِ السطورَ ذاتَ يَفاعةٍ أو شَبابٍ، وجدُّكَ يقولُ إنّهُ، عندما احتضنَكَ لأوّلِ مرّةٍ، صارتْ روحُه كفراشةٍ وجدتْ زهرتَها الأولى.
لقد وُلدتَ، يا صغيري، لا لتكونَ مجرّدَ امتدادٍ لي، بل – بما قلتُ لكَ آنفًا – لترتيبِ أيّامي الباقياتِ، لتُوقظَ فيّ دهشةً كنتُ أظنُّها قد تلاشتْ في دُروبِ الأسفارِ، وتِيهِ العُمرِ.
6=
أَحملُكَ بينَ ذِراعيّ، أَتأمّلُ سَحنَتَكَ، أرى فيكَ إرثًا منّي: تِلكَ الجديّةَ المُبكّرةَ، وروحَ المغامرةِ والجَسارةِ، التي جعلتْني أَعبُرُ جِبالَ الهملايا في عُمرِ العشرينَ، ويكادُ قفصي الصدريُّ ينفجرُ من تِلكمُ الارتفاعاتِ التي كنتُ أَعبُرُ، مُترحّمًا – إزاءَها – على جِبالِ الهندكوشِ التي طالعتُها –قبلها بعام- بكثيرٍ من الهيبةِ.
ولم يصلْ جدُّكَ إلى عمرِ الثلاثينَ إلّا وقد جابَ سُهوبَ آسيا الوسطى بالطولِ والعرضِ، ودخلَ الصينَ برًّا، ووصلَ إلى مدائنَ لم يسمعْ بها جِيلُه، ماضيًا إلى أحراشِ جنوبِ إثيوبيا، يلتقي القبائلَ البدائيّةَ التي تَمشي حافيةً وعاريةً، ويقفُ دامعَ العينِ في جزيرةِ العبيدِ، هناك في داكارَ، أقصي شمال غرب إفريقيا، يَبكي من قِصَصِ أُولئكَ الرقيقِ الذين تاجرَ بهم النخّاسُ الأوروبيُّ.
ويقفِزُ إلى حدودِ سيبيريا، يَخوضُ في الثلوجِ الهائلةِ، كي يزورَ مسجدًا هناكَ، ويَعبُرَ – حتى كتابةِ هاتهِ المقالةِ – أكثرَ من خمسٍ وستّينَ دولةً، ومئاتِ المدنِ، يَنثُرُ في كلِّ مدينةٍ قِصّةً، وعلى كلِّ دَربٍ مغامرةً لم تُروَ…
ليتَ شعري، أَتَرِثْ هذا التوقَ منّي؟ هذا الظمأَ إلى البعيدِ؟ هذا الشّغفَ بالترحالِ، وهذا التطلّعَ الأبديَّ للانغماسِ في حكاياتِ البشرِ والأمكنةِ؟
هل ستُغريكَ – يا حفيدي – خرائطُ العالَمِ التي كنتُ أُخبّئها بينَ دَفّتَي كُتُبي؟
7=
أتأمّلُ عينيكَ…
ورِثتَ براءةَ والدتِكَ وجمالَها والتماعة عينيها، وذكاءَ والدِكَ وإرادتَهُ الجبّارةَ، بيدَ أنني أتساءلُ:
هل ستعشقُ المكتباتِ كما عشقتُها؟
وتهدرُ كلَّ نُقودِكَ – من يَفاعتِكَ – على اقتناءِ الكُتبِ، وقراءتِها بشَغفٍ؟
ومن ثمَّ تتجرّأُ على إِذكاءِ الأسئلةِ، وتَدفعُ أكلافَها الباهظات، وتُقيمُ صداقةً معَ البياضِ قبلَ أن يَنهضَ حرفٌ على الورقِ؟
هل ستَقفو خُطى جدّكَ، عندما يَلوذُ في تِلكمُ المساءاتِ الهادئةِ وأصائلِ الطائفِ، ليجلسَ بكلِّ تقديسٍ إزاءَ صفحةٍ بيضاءَ، مُنتظرًا أن يَنبضَ الحبرُ بحِكمةٍ أو دهشةٍ أو ومضةِ فكر؟
لا أَدري…
ولكنني قرَّرتُ – من اليومِ – أن تكونَ هدايايَ لكَ كتابًا، وثانيها كتابًا، وثالثَها… كتابًا.
أَزرعُ بينَ يديكَ بُذورَ الحكاياتِ، وأكونُ أنا أوّلَ من يَقرأُ في مَسمعِكَ نشيدَ اللغةِ، أفتحُ لكَ دُروبَ الكلماتِ، وأُجلسُكَ على كَتِفي، لتُطِلَّ على الدنيا من عُلوِّ الحكايةِ، لا من ضِيقِ الواقعِ.
سأجعلكَ تَقرأُ لا لتتعلّمَ فحسبَ، بل لتُبصرَ، لِتُحلّقَ، لِتَكتشفَ عوالمَ لا تَصِلُها الأقدامُ.
سأبني لكَ منَ الحكاياتِ قِلاعًا، ثمَّ آخذُكَ لشُرفةِ العُمرِ، لأُريكَ الدنيا من زاويةٍ لا يَراها إلّا من امتلكَ أجنحةَ الخيالِ.
8=
ما زلت بين ذراعي أحملك وقد غِبتُ عن الكلِّ من حولي، وسافرتُ معكَ بأخيلتي لعوالمي، وها هيَ جدّتُكَ تَطلبُ أن تَحملَكَ، بكلِّ اللهفةِ والسعادةِ، وأنا أمدُّ يدي بكَ إليها، وهَمَسْتُ في أُذُنِكَ:
عبدالعزيزُ…
أنتَ لستَ امتدادًا لاسمي فحسبَ، بل لروحي، وأحلامي، وتَجرُبتي التي عبَرتْ بها العالَمَ، ورُبّما تكونُ الكاتبَ الذي يُتِمُّ فُصولًا توقّفَ القلمُ عن بُلوغِها يومًا.
ستَجدُ في كلِّ تَجعيدةٍ في وجهي خريطةَ طريقٍ، وفي كلِّ حجرٍ على دَربي، حِكمةً مُصقولةً بالسفرِ، وفي ابتسامتي – وأنا أَحملُكَ – وعدًا ألّا أَدعَكَ تَتيهُ من دونِ بوصلةٍ.
هاتِه لحظةٌ لن أنساها ما حييتُ، إنّها لحظةُ اللقاءِ الأوّلِ بينَ جدٍّ طوى العالمَ على قدمَيهِ، وطفلٍ يَطوي العالمَ – كلَّه – في قبضةِ يدِه الرَّخوةِ.
أَحقٌّ أن يَشعُرَ كلُّ جَدٍّ بهذهِ الزلزلةِ الرقيقةِ؟
أم أنّي رجلٌ تاهَ في الترحالِ دهرًا، فجاءَه وطنٌ بحجمِ كفٍّ صغيرةٍ، اسمُه: عبدالعزيزُ بن أُسَيدَ عبدالعزيزِ قاسمَ؟
أنتَ، يا صغيري، لستَ مجرّدَ طفلٍ…
بل أنتَ وَطني الجديدُ، وَعدي بالغَدِ، ونورٌ سيظلُّ يُضيءُ دَربي، حتى آخرِ نَبضةٍ في قلبي.
9=
ولدَيَّ الحبيبينِ: أُسَيدُ ومَريمُ…
لقد أَهديتماني ما لا يُقدَّرُ بثَمنٍ، هديةً لا تُعادِلُها كُنوزُ الأرضِ.
ففي كلِّ مرّةٍ تُبعثانِ لي بصورةٍ لعبدالعزيزَ، أَشعرُ بانهمارٍ من السعادةِ يَغسلُ قلبي، دهشةٌ تُشبهُ نورًا يتسلّلُ من أول نافذةٍ شتائيةٍ، بعد عتمةِ الغياب..
تَترقرقُ الدّموعُ في عينيَّ رَغمًا عنّي، وتَهتفُ روحي في صمتٍ مُقدّسٍ:
“يا للهِ… كم يُشبِهُني هذا الصغيرُ… وكم أُحبُّه!”
10=
حفيدي عبدالعزيز…
قد تَقرأُ هذه السطورَ، وقد طوى الزمانُ صَفحتي، وتَمدّدتُ في جَدَثٍ مُظلِمٍ، مُفارِقًا الحياةَ، لكنِ اعلمْ أنّني، في لحظةِ خَطِّ هاته الرسالةِ، كنتُ أَحيا بكَ، ومعكَ.
لقد كنتَ جِسرًا من نورٍ، عبَرتُ عليهِ من خَريفِ العُمرِ إلى طُفولتِي الأولى، فاستعدتُ نشوة البداياتِ، ورَكَضتُ خلفَ الفراشاتِ مرّةً أُخرى، وقلبي يَرقصُ فرحًا، وأنا أُسنِدُكَ إلى صدري.
لطالما خَشِيَ الناسُ هذه المرحلةَ من العُمرِ، لكنّني كنتُ أَسعدَ أهلِ الأرضِ بها، فلم تَسَعْني الدنيا حين أَتيتَ، وحين همسَ والداكَ باسمِكَ في أُذُني — اسمُنا المُشتركُ — عَرَفتُ كيفَ استلبا قلبي إلى الأبدِ.
لقد سمعتُ حينَها صدىً حنونًا يتردَّدُ من صَدرِ الأزمنةِ، ليقولَ: “ما زالَ للعِشقِ فُصولٌ تُكتَبُ بدُموعِ الفَرحِ.”
اسمُكَ، يا صغيري، هو امتدادي، لكنّه أجملُ، أنقى، وأَعذبُ.
هو صدَاي، لكنْ في نغمةٍ جديدةٍ، وعِطرٍ أَرقى من كلِّ ما عرَفتُه من قبلُ.
رأيتُ فيكَ الفلسفةَ الحقيقيةَ للوجودِ: أنَّ الحياةَ لا تَنتهي، بل تتجدَّدُ، تَنبضُ عبرَ أنفاسِ الأحفادِ، وتنبعثُ منَ العَدَمِ كلّما ظننّا أنّها انطفأتْ.
11=
قد تمرُّ بكَ هذه الكلماتُ حين تَصيرُ رجلًا، أو أَبًا، أو رُبّما جدًّا…
قد تَمُرُّ كصوتٍ بعيدٍ، أو وميضِ ذاكرةٍ، لكنْ تَذكّرْ أنَّ هذا الصوتَ، وهذا الحرفَ، وهذا البَوحَ… كان جدَّكَ… وكانَ روحَهُ التي أَودعَها فيكَ، لتظلَّ مُشتعلةً.
قد تلمسكَ مرورًا، كريحٍ حنونةٍ، أو كوميضِ ذاكرةٍ، أو صدىً بعيدٍ يتردّدُ في داخلكَ ولا تَعرفُ مصدرَه…
لكنِ اعلَمْ أنَّ ذلكَ الصوتَ، وذلكَ الحرفَ، وذلكَ البَوحَ… كان جدَّكَ.
وكان حُبَّهُ الذي لا يُطفأ.
ولذا، أُوصيكَ: حين يَشتدُّ بكَ الطريقُ، وتُثقلكَ أوزارُ الأيّامِ، أن تَفتّشَ عن جدِّكَ في رِقّةِ قلبِكَ ساعةَ تَلينُ للضّعفاءِ،
وفي دَمعَةِ رحمةٍ تتوهّجُ على خدِّكَ إنْ ضاعَ مَن تُحبُّ،
فهناكَ، في عُمقِ ذاكَ الشُّعورِ، ستجدُني أتكوّرُ كفِكرةٍ مُضيئةٍ، تقولُ:
“*الحياةَ، مهما قسَتْ، تَستحقُّ أن تُعاشَ مرّتَين، بل ألفَ مرّةٍ، من أَجل حفيد*.”
12=
يا عبدَالعزيزِ…
يا مَن تَحمِلُ اسمي… لقدْ قَضيتُ العُمرَ أملأُ الصَفحاتِ البَيضاءَ بالحِبرِ، وأصخَبُ في تِلكَ الصُحُفِ الّتي عمِلتُ فيها، وأُجاهِرُ في الفَضائيّاتِ، أُشاغِبُ فيها؛ مَضيتُ أُطارِدُ فِكرةً، وأصطادُ معنًى، وأُراهِنُ على خُلودِ الكَلمةِ.
كنتُ أظنّ أنّ أعظمَ إرثٍ قدْ أترُكُهُ كِتابًا يَحمِلُ أفكاري. كمْ كنتُ مُخطئًا! أنتَ، يا ولَدي، أنتَ –وبقية الأحفاد الآتين بحول الله- مَخطوطتي الأَخيرةَ الّتي كُتِبتْ بحِبرِ الرَوحِ، لا القَلَمِ. أنتَ القَصيدةَ الّتي اسْتعصَتْ على كُلّ قَواميسي، فأتمّها اللهُ في أبهى صُورةٍ. أنتَ المعنَى الّذي كنتُ أبحَثُ عنهُ في كُلّ أَسفاري ومَكتباتي.
فإذا قرأتَ هذهِ الرِسالةَ يومًا، فاعلَمْ أنّها ليستْ إلّا غِلافًا لِكتابٍ أعظمَ هو أنتَ. *وإنْ سألُوكَ: ماذا ترَكَ لكَ جدُكِ الكاتبُ؟ فقلْ لهُم: «لمْ يترُكْ لي كتابًا… بلْ تركني أنا، كلمتَهُ الأَخيرةَ، والأَجمَلَ*».
جدك، الّذي وجدَ فيكَ ما لمْ يجدْهُ في كُلّ كُتُبِه.
قطار الحرمين بطريقي للمدينة المنورة
الخميس 6 صفر 1447
31 يوليو 2025