أخبار

على دروب المقناص.. رجال يقتفون أثر السماء – أخبار السعودية

يمتد موسم المقناص على طول الساحل الغربي، من جنوب جدة مروراً بالمجيرمة والشعيبة والقنفذة، وصولاً إلى مركز الموسم بمنطقة جازان، حيث تنتشر سيارات الدفع الرباعي المجهزة بأدوات الصيد، من أجهزة الاتصال والمناظير «الدربيل» إلى الشباك والطعوم، فيما تتوزع في الصحاري مخيمات «العزب»، التي تجمع الصقارين من مختلف مناطق المملكة ودول الخليج العربي، في رحلات بحث شاقة عن «الوحش»، وهو المصطلح الذي يطلق على الصقر قبل ترويضه وتدريبه.

وتتحول هذه الرحلات إلى ملتقيات تجمع الصقارين في أجواء يسودها التعاون وتبادل الخبرات، إذ يجتمعون بعد يوم طويل من البحث، ويتسامرون حول تجاربهم وقصصهم في الصحراء، فيما ينتهي المطاف ببعضهم إلى بيع الصقور التي يعثرون عليها، أو المشاركة بها في المسابقات الإقليمية، مستفيدين من الدعم والاهتمام الذي يقدمه نادي الصقور السعودي، عبر خدمات نوعية تسهم في خدمة هواة الصقارة والمحافظة على هذا الموروث العريق.

أدوات الرصد والترقب

ولا يبدأ الباحثون عن الصقور، الذين يعرفون باسم «الطواريح»، رحلتهم إلا بعد تجهيز أدواتهم التي تساعدهم على رصد الطيور المهاجرة وتعقبها والإمساك بها. ويأتي جهاز «الكنود» ضمن أبرز أدواتهم، إذ يستخدمونه للتواصل وتحديد أسبقية مشاهدة الصقر، فيما يساعد «الدربيل» على رصد الطيور وتعقبها من مسافات بعيدة، ويستخدم «الزرق» طعماً لاستدراج الصقر والإيقاع به.

وتأتي هذه الطيور في رحلات هجرة جماعية من مناطق عدة، بينها باكستان ومنغوليا وروسيا والمناطق الباردة، قاطعة مسافات طويلة حتى تصل إلى السواحل الغربية، حيث يترقبها الطواريح بالشباك والمناظير والطعوم، في محاولة للظفر بصقر مميز.

وجرت العادة بين الصقارين على أن تكون ملكية الصقر لمن يشاهده أولاً، فيما يساعده الآخرون على صيده، في صورة تعكس روح التعاون والالتزام بالأعراف المتوارثة بينهم. وعند رصد «الوحش»، يعلن الصقار مشاهدته عبر جهاز «الكنود»، ليبدأ الآخرون في تقديم المساعدة، دون أن يعني ذلك مشاركتهم في ملكية الصقر.

ويستخدم الصقارون «الزرق» لاستدراج الطائر، من خلال تقديم طعم من الحمام أو السمان، بحيث ينقض الصقر عليه من الأعلى وينشغل بالأكل، ما يتيح للطواريح فرصة الإمساك به بواسطة الشباك، وفق أساليب دقيقة لا يتقنها إلا الصقارون المتمرسون.

«الفزعة».. نداء يجمع الصقارين

وعلى الرغم من تباعد مناطق الصقارين وتنوعها بين شمال المملكة وجنوبها وشرقها وغربها، وامتدادها إلى دول الخليج العربي، فإن أجواء المقناص تكشف عن روابط وثيقة تجمعهم، حتى يبدو وكأنهم عائلة واحدة، يتشاركون الخبرة ويتسابقون إلى تقديم العون.

وتتجلى هذه الروح، عندما يطلق أحدهم عبر جهاز «الكنود» كلمة «الفزعة»، وهي نداء متعارف عليه بينهم لطلب المساعدة عند مشاهدة صقر أو رصد «وحش» قادم عبر البحر من مناطق أخرى. وعندها يستجيب الصقارون للنداء، في مشهد يعكس ما استقر بينهم من قيم الشهامة والتعاون واحترام الأعراف.

خطوات نحو المقناص

ورصدت «عكاظ»، جانباً من حياة الصقارين، من خلال تجربة ميدانية متنقلة بين التباب، رافقت خلالها الطواريح في تنقلاتهم وتدريب طيورهم، وتعرفت على أساليب «الهدد»، وهو المصطلح الذي يستخدمه الصقارون لوصف تدريب الصقر على مهاجمة الحبارى والطيور الأخرى، وتأهيله لاكتساب مهارات الانقضاض الحقيقية تمهيداً لرحلات المقناص.

«الملواح».. أولى خطوات التدريب

وأوضح الصقار تركي النفيعي، أن تدريب الصقر وتأهيله يمران بمراحل متعددة، تبدأ بتلبيسه البرقع، ثم ترويضه وتدريبه باستخدام «الملواح»، الذي يستخدم لتعليمه الاستجابة والانقضاض على الفريسة.

وأضاف، أن التدريب يجري في منطقة منبسطة، من خلال ربط الطعم بحبل، ويكون عادة من الحمام أو القمري أو السمان، ثم تحريكه في مسار دائري أو نصف دائري، حتى ينتبه الصقر إليه وينطلق نحوه، مستهدفاً الحصول على الطعام، وبذلك يتدرب على المطاردة والانقضاض.

وقد عبر الشاعر فلاح القرقاح عن علاقة الصقار بطيره وحرصه على استجابته للملواح، قائلاً:

ياليت الزمن طير يعود على الملواح

برده.. ولا أدري وش أرده على شانه.

وأشار عدد من الصقارين إلى ارتفاع أعداد الطيور المهاجرة القادمة من روسيا ومنغوليا والمناطق الباردة، التي تقطع مسافات طويلة قبل وصولها إلى الجانب الآخر من البحر، حيث يستقبلها الطواريح بأدوات الرصد والشباك والطعوم، أملاً في الظفر بصقور ذات مواصفات مميزة.

ملكية الصقر تحكمها الأعراف

من جانبه، أوضح الصقار محمد العتيبي، أن التعامل بين الطواريح في الصحراء يقوم على الاحترام المتبادل والالتزام بالأعراف المتعارف عليها، مبيناً أن الصقر يكون من نصيب أول من يشاهده، ويعلن ذلك عبر جهاز «الكنود»، أو باستخدام الإشارات الضوئية الخاصة بالسيارة.

وأضاف أن الصقار يستطيع طلب المساعدة من الآخرين للإسهام في الإمساك بالصقر، دون أن يترتب على ذلك اقتسام ملكيته، وهو عرف يعزز الثقة والتعاون بين المهتمين بهذه الهواية، ويحفظ لكل طارح حقه.

الأسعار تصل إلى مليون ريال

وتتفاوت أسعار «الوحوش» بحسب نوع الصقر وسلالته ولونه ومواصفاته، إلى جانب طول الجناحين والعنق، إذ تتراوح الأسعار وفقاً للصقارين بين 20 ألف ريال ومليون ريال، فيما تحدث بعضهم عن صفقات تتراوح قيمتها بين 50 ألفاً و380 ألف ريال.

ويقضي الطواريح والصقارون نحو 60 يوماً في رحلات بحث طويلة، يتنقلون خلالها بين المواقع الصحراوية والساحلية، مترقبين ظهور صقر يحقق تطلعاتهم، في رحلة تجمع بين الصبر والخبرة والمنافسة، وتظل نتيجتها مرتبطة بقدرتهم على الرصد وحسن التعامل مع الطيور.

ولا تقتصر قيمة المقناص على ما قد تحققه الصقور من عوائد مالية، بل تتجاوز ذلك إلى ما يجسده من موروث ثقافي متجذر في تاريخ الجزيرة العربية، وما يحمله من قيم الشهامة والتعاون والوفاء للأعراف، فضلاً عن الروابط الاجتماعية التي تجمع الصقارين، وتضمن استمرار هذه الهواية التي توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل.

زر الذهاب إلى الأعلى