مقالات وبحوث

عنيزة.. حين اكتشفت مدينةً تسكن القلب (الجزء الأول)

بقلم: رئيس التحرير

بعض المدن تمر بها عابرًا، وبعضها يمر بك فلا يغادرك أبدًا.

وهكذا كانت عنيزة..

سنوات طويلة كنت أعرفها من نافذة السيارة، محطةً جميلة في طريق المسافرين إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، نلوح لها سريعًا ثم نواصل الطريق، دون أن ندرك أن خلف تلك الطرق الهادئة مدينةً تنبض بالحياة، وتحمل بين أحيائها حكايات لا تنتهي.

لكن هذه المرة لم تكن زيارة عابرة، بل كانت دعوة كريمة من أحد أعيان عنيزة الكرام صديقي وأخي العزيز الدكتور عبدالرحمن الجابر “أبو ناصر”، دعوة لم أكن أعلم أنها ستفتح لي بابًا إلى واحدة من أجمل التجارب التي عشتها في المملكة العربية السعودية.

منذ اللحظة الأولى شعرت أنني لا أزور مدينة فحسب، بل أزور أهلًا وأصدقاء.

في عنيزة لا يستقبلك المكان قبل الإنسان، ولا يسبق العمرانُ الابتسامة، ولا تتقدم الشوارع على قلوب أهلها.

مدينة أنيقة، نظيفة، واسعة الطرق، تجمع بين أصالة الماضي وروعة الحاضر، حتى ليخيل إليك أن التاريخ والحداثة تعاهدا على أن يعيشا فيها جنبًا إلى جنب.

ورغم أننا في أواخر شهر يوليو، فإن نسيم عنيزة البارد في الليل كان مفاجأة لا تُنسى.. هواء عليل يداعب الوجوه، وأجواء تجعل المرء ينسى حر الصيف، فيظن للحظة أنه يعيش إحدى ليالي الربيع.

تنقلنا بين أسواقها القديمة التي ما زالت تحافظ على روح الزمن الجميل، وأسواقها الحديثة التي تعكس حيوية المدينة ونموها، مرورًا بمزارعها العامرة، واستراحاتها الجميلة، ومطاعمها ومقاهيها التي تجمع بين الكرم وحسن الضيافة.

لكن أكثر ما بقي في الذاكرة لم يكن جمال المباني ولا اتساع الطرق؛ بل محبة الناس.

لقد لمست في كل من التقيته حبًا صادقًا للكويت وأهلها، وكلمات ترحيب خرجت من القلوب قبل أن تنطق بها الألسن، حتى شعرت أن المسافات بين الكويت والقصيم أقصر بكثير مما ترسمه الخرائط.

وفي اليوم التالي كان لنا موعد مع رحلة أخرى لا تقل جمالًا، برفقة الأخ الكريم سليمان بن عبدالرحمن الريش، الذي أضفى على الرحلة بروحه الجميلة ومعرفته الواسعة متعةً خاصة، فاتجهنا إلى محافظة البكيرية، تلك الجوهرة الهادئة التي تحتضن بين جنباتها صفحات مشرقة من تاريخ نجد.

هناك بدأت رحلة من نوع مختلف..

رحلة لم تكن بين المباني، بل بين القرون..

كانت محطتنا الأولى مقصورة السويلم، أحد أبرز المعالم التراثية في محافظة البكيرية، حيث استقبلنا الشاب المبدع الأستاذ محمد المسلم “أبو إبراهيم”، الذي لم يكن مجرد مرشد سياحي، بل راوٍ عاشق للتاريخ، يروي الحكاية وكأنه كان شاهدًا على أحداثها.

كل حجر في المقصورة كان يحمل قصة، وكل جدار يختزن ذكرى، حتى شعرت أن التاريخ لا يُقرأ في الكتب فحسب، بل يُلامس باليد ويُسمع صداه بين جدران الطين.

ومن حديثه تعرفنا إلى أصل تسمية البكيرية، نسبةً إلى محمد البكيري رحمه الله، الذي كانت له مزرعة في هذا الموقع، قبل أن يشتريها أبناء عثمان السويلم، لتكبر المزرعة عامًا بعد عام، حتى شيد فيها أمير البكيرية السابق عبدالله بن سويلم بن عثمان آل سويلم هذه المقصورة عام 1240هـ، مع بدايات الدولة السعودية الثانية، لتصبح لاحقًا شاهدًا حيًا على مرحلة مهمة من تاريخ المنطقة.

وتزداد قيمة المكان حين تعلم أنه بعد معركة البكيرية عام 1322هـ بين الملك عبدالعزيز آل سعود وعبدالعزيز بن رشيد، زار الملك عبدالعزيز هذه المقصورة بعد ثلاث سنوات، فغدت منذ ذلك الحين واحدة من أبرز الشواهد التاريخية في القصيم، بل وفي المملكة كلها.

ثم انتقلنا إلى البئر القديمة، حيث أخذنا أبو إبراهيم في رحلة إلى تفاصيل الحياة قبل مئات السنين، وكيف كانت الآبار تُحفر بأدوات بسيطة، لكنها كانت مصدر الحياة للناس والزراعة.

ومن هناك دخلنا إلى قلب المقصورة…

رأينا غرفها، ومخازن التمور، وكيف يصنعونها، ويستخرجون الدبس منها! ومكان إعداد الطعام، والمجالس، والزوايا التي عاش فيها رجال ونساء صنعوا تاريخ هذه الأرض، حتى وصلنا إلى المجلس الذي جلس فيه الملك عبدالعزيز رحمه الله أثناء زيارته للمقصورة.

كانت لحظة يصعب وصفها..

أن تقف في مكان جلس فيه مؤسس دولة، قبل أكثر من قرن، وأن تتخيل الأحاديث التي دارت، والقرارات التي ربما نوقشت، فتشعر أن التاريخ لا يزال حيًا بين الجدران.

وبعد انتهاء الجولة، انتقلنا إلى الديوان الكبير، ذلك المجلس المفتوح الذي لا تزال أبوابه تستقبل الضيوف كما كانت منذ عشرات السنين، وهناك تذوقنا رطب المزرعة وتمورها، والكليجة المصنوعة بزيت الزيتون، بيد “آمنة”.. مع فنجان من القهوة العربية الأصيلة، في مشهد تختلط فيه الضيافة بالتاريخ، والكرم بالإرث.

غادرنا مقصورة السويلم ونحن نحمل معنا كثيرًا من الذكريات، واتجهنا نحو محطتنا التالية:

مقصورة الراجحي.

وصلنا إليها مع أذان المغرب، وكان في استقبالنا الأستاذ يوسف الراجحي “أبو عبدالرحمن”، مدير المشروع، بابتسامته المعهودة وحفاوته الكريمة.

صلينا المغرب في مسجد المقصورة..

وكان لذلك المسجد هيبة يصعب أن تُوصف بالكلمات.

جدرانه الطينية، وسقفه الخشبي، وهواؤه الهادئ، كلها كانت تهمس بأن آلاف المصلين مروا من هنا، ووقفت جباههم على هذا التراب، وارتفعت من هذا المكان دعوات كثيرة إلى السماء، عبر عشرات السنين، بل عبر قرون مضت.

وهنا.. بدأت حكاية أخرى، سيكون لها حديثٌ مستقل في الجزء الثاني بإذن الله.

       

زر الذهاب إلى الأعلى