يا ستِّير.. حتى المواساة لها علم!

بقلم: عبدالعزيز قاسم
إعلامي وكاتب صحفي
كنتُ أتصفَّح الواتساب؛ ذلكم السوقَ الشعبيَّ العظيم الذي يبيعُك في الدقيقة الواحدة فتوى، ونكتةً، وتحليلًا سياسيًّا، ووصفةَ زنجبيل، وخبرَ وفاة، وصورةَ قطٍّ لم يُحسِن الظنَّ بالحياة.
وفجأةً وقع بصري على رابطٍ في «الجزيرة نت»: «هل تعرف كيف تُواسي شخصًا يبكي؟»
قلتُ في نفسي بثقةِ خِرِّيتٍ قديمٍ في هذا الفنّ: طبعًا أعرف. أنا ابنُ مدرسةٍ عريقةٍ في المواساة، حقيبتُها الإسعافيّةُ معروفةٌ محفوظة: منديلٌ في اليمين، و«كن قويًّا» في اليسار، و«انظر للجانب المشرق» احتياطيّة، ثم الصاروخُ العابرُ للقارّات: «احمد ربَّك، غيرُك أسوأُ منك».
إذا رأيتُ صديقًا يبكي، تحسَّستُ جيبي أولًا، وأخرجتُ المنديلَ بسرعةٍ فخريّةٍ، كأنّني أُخرِج وثيقةَ إنقاذٍ من الأمم المتحدة. الدموعُ تنزل، والمخاطُ — أعزَّكم الله — يبدأ في كتابة بيانِه الرسميّ، وأنا أتحرَّك بمهارةِ رجلِ إسعافٍ عاطفيّ، أُقدّم المنديلَ باليمين، وأربِتُ بالشمال، وأتلفَّت حولي علّ أحدًا يوثّق هذه اللحظةَ الإنسانيّةَ النادرة.
ثم جاءتِ الصدمة: قرأتُ أنّ هذا الفعل خطأ!
صفَّقتُ كفًّا بكفّ. كيف خطأ؟ أليستِ المناديلُ من أدوات البرّ والإحسان؟ لكنّ المقالَ يقول: تمهَّل؛ لا تقفز إلى المنديل كأنّك تقول له: «كفاكَ بكاءً، نظِّف وجهَك، وأغلِق هذا الملفَّ المبلَّل».
يا ستِّير!
قلتُ: لا بأس، ربّما أخطأتُ في المنديل، لكنّني بالتأكيد أُجيد الكلام. أتذكَّر أولى مواساتي: تراني أنفخ صدري، واقفًا على رأس الباكي كأنّي قائدُ كتيبةٍ، أصيح فيه بصوتٍ يوقظ العملاقَ النائم: «كن قويًّا.. لا تنهار.. أنت أكبرُ من هذا».
فإذا بالتقرير يصفعُني الثانية: هاته أيضًا ليست مواساة.
بقِيَ عندي السلاحُ العظيم، ذاك الذي وقتما أطلقتُه ظننتُ المعركةَ انتهت: «يا أخي احمد ربَّك.. على الأقلِّ لم يحصل كذا وكذا»، تخفيفًا له على مأساته. فإذا بالدراسة تُدرِجه في صميم قائمة الأخطاء!
هنا أخذتني العزّة. أقلعتُ واللهِ عن القراءة، وقلتُ: هؤلاء قومٌ مدلَّلون لا يعرفون ديوانيّاتنا؛ عندنا إذا بكى الرجلُ قلنا له: «غيرُك أسوأُ منك»، فيهدأ فورًا، أو يستحي فيهدأ — والنتيجةُ واحدةٌ في سِجلّاتنا القديمة!
بيد أنّ الفضولَ استبدَّ بي، خصوصًا أنّ المتحدِّثين متخصِّصون في الدعم النفسيّ، وليسوا فئامًا قرّروا إلغاءَ المناديل من الكون. فعدتُ إلى المقال بخضوعِ طالبٍ قُبِض عليه وهو يغشّ في مادة «المواساةِ التطبيقيّة»، ورسَبَ فيها رسوبًا مُشرِّفًا بعد أربعين عامًا من الخبرة الميدانيّة.
فبان لي، يا أحبّة، أنّ الحكايةَ كلَّها ليست أن تمنع الدمع، بل أن تُطمئن صاحبَه أنّ دمعه لم يطردْك. لستَ فنيَّ صيانةٍ للروح، يحمل مِفكًّا عاطفيًّا ويفتح القلبَ من الخلف؛ المطلوب أبسطُ وأصعب: أن تبقى، وتقترب بوقار، وتسكت قليلًا، وأن يقول حضورُك ما يعجز عنه لسانُك: أنا هنا، ولا أخاف من دموعك.
وهذه وحدَها، لعمرو الله، تحتاج تدريبًا؛ فأكثرُنا إذا رأى الدمعَ ارتبك، فهرب إمّا إلى النصيحة، أو إلى المنديل، أو إلى محاضرةٍ من عشر نقاطٍ عن الصبر — والمسكينُ ما زال في أوّل شهقة.
الوضع بكل صراحة: نحن نُحسِن النيّةَ، ولكن نُسيء التوقيت.
والحقُّ أنّ الفرقَ بين المواساة وضدّها أرقُّ من شعرة: أن تقول «خذ راحتك» بدل «لا تبكِ»، و«ما حدث مؤلمٌ فعلًا» بدل «غيرُك أسوأُ منك». جملةٌ تقتحم، وجملةٌ تستأذن؛ والمسافةُ بينهما في الحروف قصيرة، وفي القلب بعيدة.
أمّا تلك العبارةُ الخالدةُ التي أتحدّى ألّا يكون كلٌّ منّا قد شهرها سيفًا يومًا: «احمد ربَّك، غيرُك أسوأُ منك» — فليس الخطأُ في الحمد، حاشا، فالحمدُ نجاةُ القلب؛ إنّما الخطأ أن تُحيله عصًا تضرب بها وجعَ إنسانٍ لم يلتقط أنفاسَه بعد. كلُّ ألمٍ له مقاسُه، والأحذيةُ الواسعةُ لا تصلح للمشي في جرح غيرك.
ثم إنّ الناسَ ليسوا دائرةً واحدة. ابنُك الباكي لا ينتظر خطبةً عن الصلابة، بل حضنًا يؤجِّل الدرسَ حتى تهدأ العاصفة؛ فالطفلُ لا يسمع الحكمةَ في قلب الزوبعة، يسمع أولًا صوتَ الأمان.
وزوجتُك أو أخوك لا يريد محقِّقًا يستلّ قبّعةَ كونان: مَن قال؟ ولماذا؟ ومتى؟ وهل لديك شهود؟ — يا رجل، اخلع البدلةَ البوليسيّةَ قليلًا؛ فالروحُ أمامك لا تُقدّم بلاغًا، بل تطلب مأمنًا.
والصديقُ لا يملك حقَّ اقتحام الروح، لكنّه يملك شرفَ الحراسة عند الباب، تكفيه جملةٌ واحدةٌ تُعلَّق في الديوانيّات: «لن أُعطيك نصيحةً الآن إلّا إذا طلبتَها».
للأسف الشديد: كم من مكلومٍ فرَّ من مواسين صالحين، دخل كلٌّ منهم وفي يده مطرقةُ حكمة.
ويبقى الغريب؛ رجلٌ يبكي في مطار، وامرأةٌ في ممرِّ مستشفى. هنا لا لمسةَ ولا فضول، ولا تدخل عليه بكامل تاريخك العاطفيّ كأنّك تفتتح مسلسلًا من ثلاثين حلقة؛ تكفي كلمة: «هل أُعينك؟ أم تحبّ أن أتركك؟».
يا سادة: بعضُ الناس يريد سترَ دمعته لا شرحَها، ومن اللطف أن تنسحب كما دخلتَ: خفيفًا، محترمًا، بلا ضجيج.
خرجتُ من هذا كلِّه بخلاصةٍ مؤلمةٍ قليلًا، مُضحِكةٍ كثيرًا: قضيتُ عمري أظنّني أُواسي الناس، فإذا بي أُوزّع عليهم تعليماتِ التشغيل بدل أن أضع يدي على كتف اللحظة!
خذوها منّي: ليس كلُّ باكٍ يريد حلًّا؛ بعضُهم يريد شاهدًا لا يرتبك من دمعته، ولا يعالج روحَه كما يعالج عطلَ المكيّف — يفصل الكهرباء، ويعيد التشغيل، وانتهى الأمر.
يا أحبة: الدمعةُ ليست خللًا في النظام؛ بل آخرُ لغةٍ بقِيَت للقلب.