حين يكون الاتصال ترميمًا للكرامة

بقلم: عبدالعزيز قاسم
اعلامي وكاتب صحفي
«أفسد عليّ خالد المالك أن أعيش أجواء الفرح معكم يا سيّد».
همستُ بها لصاحبي الناقد الأدبي الكبير حسين بافقيه، لا عاتبًا ولا ناقمًا، بل من فرط ما أربكتني مفاجأة وجود المالك، وأنا الذي تهزّني مخايل النبل وقتما تلوح في رجل، لا في عبارة.
تشرفتُ برفقة المجيء إلى الحفل مع بافقيه، ومن يظفر بصحبته يدرك أن الطريق معه لا يكون طريقًا؛ بل ندوة أدبية تمشي على قدمين، ومجلسًا ثقافيًّا متنقّلًا، ومائدةً من تلك الموائد التي لا يُقدَّم فيها الطعام أولًا، بل تُقدَّم الذاكرة، واللغة، والدهشة.
كلانا كان حريصًا على تلبية دعوةٍ كريمة من الدكتور عثمان الصيني لحضور زفاف ابنه الوسيم محمود. والدكتور الصيني من أولئك الذين إذا دعوا لم تكن الدعوة مجاملةً عابرة، بل حقًّا من حقوق الزمالة والمكانة.
وما إن دخلنا القاعة حتى وجدنا في صدر المشهد معالي وزير الإعلام الأسبق الأستاذ إياد مدني، وبجواره الأستاذ خالد بن حمد المالك، وعلى مقربةٍ منهما الأستاذ العزيز إدريس الدريس، شقيق صديقي الحبيب زياد الدريس، ذلك الدبلوماسي الأديب الذي إذا حضر حضرت معه رهافة الثقافة وسحر اليونسكو وبهجة الصداقة.
وعلى يمين الوزير لمحتُ الدكتور فهد عقران، رئيس تحرير صحيفة «المدينة»، ففرحت به فرحًا لا أعرف كيف أخفيه. لأبي مازن الخلوق في نفسي منزلةٌ خاصة؛ لا لأنني عملتُ يومًا تحت رئاسته فحسب، بل لأنه ترك في الذاكرة أثر إدارةٍ لا أثر كرسيّ، ودفءَ علاقةٍ أخوية لا برودة منصب، ونقاء روحٍ شفيفة لم تتلوث مع كرور الأيام.
غير أن عيني، في ذلك المجلس، كانت تعود إلى خالد المالك.
كان في القاعة فرحٌ، وأصدقاء، ووجوهٌ عزيزات، وصخب زفافٍ يليق بأهله، غير أن حضور الرجل أخذني إلى جهةٍ أخرى. كأن في المجلس بابًا خفيًّا انفتح على معنى قديم: كيف يكون الإنسان كبيرًا، لا لأن اسمه يتقدّم المجالس، بل لأن يده تصل إلى الذين انسحب الضوء من حولهم.
لا أعرفه معرفة المريد بشيخه، ولا معرفة المنتفع بصاحب نفوذ، ولا والله إذ لم ألتقه في حياتي إلا نزرًا عابرًا. ولا أكتب عنه اليوم لأن يدًا امتدت إليّ فأردت ردّها بمديح. لا، فهذه عندي أخطر من المديح نفسه. أكتب عنه لأنني رأيت في الرجل معنىً نادرًا، وسمعت عنه من أصدقاء الصحافة ما يجعل الاسم أكبر من خانة «رئيس تحرير»، وأدفأ من لقبٍ مهنيٍّ طويل.
قلتُ لبافقيه، وهو ينظر إليّ مستغربًا من عبارتي الأولى:
لقد أفسد عليّ الرجل مجلسنا، لأنه نقلني من لذّة الحديث معك إلى تأمّل خصلةٍ تكاد تنقرض.
ابتسم السيد، وبنزعته الساخرة المحببة قال:
وأي خصلةٍ هذه؟ اسمع يا أبا أسامة أنا من كتّاب «الرياض»، ولستُ محايدًا في شؤون الصحف!
قلت له:
ليست الحكاية صحيفةً ولا منافسةً ولا عمودًا أسبوعيًّا. الحكاية مروءة.
أكملت: خالد المالك، كما أعرف -يقينا- من غير واحدٍ من زملاء الصحافة، رجلٌ لا ينتظر أن يُستدعى إلى الوفاء؛ هو يذهب إليه. ما إن يتعثّر زميل، أو تضعف به الأيام، أو يخرج من موقعٍ كان يحسبه الناس كلّ مجده، حتى يرفع خالد هاتفه، لا ليواسيه بجملةٍ باردة، بل ليقول له على طريقته: اكتب عندنا. مكانك محفوظ. قلمك لا يسقط بسقوط كرسيّك.
يا سادة: ليس النبل أن تنتظر المكسور على بابك؛ النبل أن تذهب إليه قبل أن يناديك.
وهنا تكبر الصحافة في معناها الإنساني.
فالصحافة ليست مطابع ولا عناوين ولا صورًا مصفوفةً على الصفحات الأولى. الصحافة، في وجهها النبيل، بيتٌ لمن أنهكهم الطريق، ونافذةٌ لمن ضاقت بهم الغرف، وكتفٌ لمن ظنّ أن الزمان إذا أدار ظهره أدار الناس ظهورهم معه.
آن الأوان، يا سادة، أن نقول إننا لا نتحدّث عن رئيس تحريرٍ فحسب. رجلٌ أمضى أكثرَ من نصف قرنٍ ينسج تاريخ مهنة المتاعب، حتى قدّمه الملك عبدالله — رحمه الله — إلى ضيفه ملكِ الأردن بقوله: «هذا خالد المالك، وليّ عهد الصحافة السعودية». غير أنّ أصدق ألقابه ما لا يُكتب على بطاقة: «بوّابة وفاءٍ» تتّسع للجميع، لا يضيق صدرُها بزميل، ولا تنسى صديقًا.
كثيرٌ من رؤساء التحرير -الذين عاصرناهم- يفرحون بالنجوم وهي طالعة، فإذا أفلت نجمٌ تركوه في عتمته. أما هذا الرجل، فمما رأينا عيانًا منه، أنه يعرف قيمة الزميل بعد أن تخفّ الإضاءة من حوله. وتلك، والله، ليست مهارة مهنية؛ تلك تربية نفس.
يا أحبة: المناصب تمنح أصحابها علوّ المكان؛ أما المروءة فتمنحهم القدرة على الانحناء دون أن يصغروا.
حين جلسنا، بافقيه وأنا، على طاولة العشاء، كان المالك على مقربةٍ منا، وكان السيد قد عرف ما يعتورني. قال لي بما يشبه التحريض اللطيف: اذهب إليه.
لم أكن أريد صورةً للزينة، ولا لقطةً من تلك اللقطات التي يكدّسها