مقالات وبحوث

من وحي لقاء أحمد الشَّرع.. الكرامةُ أولًا: سوريا ترفضُ رغيفَ الصَّدقة

بقلم: عبدالعزيز قاسم

اعلامي وكاتب صحفي

“إنَّ سوريا اختارت أن تكون إعادة الإعمار من خلال الاستثمار، وليس المعونات والمساعدات، لأننا لا نريد أن تكون سوريا عبئًا على أحد”.

لم تكن هذه الإجابة مجرَّد تصريحٍ عابرٍ، بل كانت إعلانًا لكبرياء السوريِّ الصَّميم وكرامته. لم أملك سوى تحيَّة الرئيس السوريِّ المسدَّد أحمد الشَّرع، وهو يرُدُّ بهذا الوضوح الحاسم على سؤال الزميل اللامع عبدالله المديفر، وقتما سأله عن “إدمان المساعدات” الذي أصاب بعض الدُّول.

هذا الجواب الاستثنائيُّ ليس غريبًا لمن عاش واختلط مع الأشقاء السوريين الحقيقيين؛ هؤلاء لا يمدُّون أيديهم أبدًا، بل يعملون بجدٍّ ويكدُّون. التجارة تجري في دمائهم عبر القرون، ويعرفون دروبها من أزمنة طريق الحرير الذي كان يمُرُّ في حلب.

في جينات السوريِّ الحرِّ: التجارةُ شرفٌ قبل أن تكون صفقةً، والكرامة لا تُستدرُّ؛ إنما تُستخرجُ من عرق الجبين.

وهنا يَكمُن المفصل القاطع، وللأمانة العلميَّة، يجب أن نَبتُر عن هذا الجسد السوريَّ الأبيَّ ذلك العفن الطُّفيليِّ المسمَّى “بالانتجلنيسا” السورية. أولئك الذين جثموا على المنابر الثقافيَّة لعقودٍ في سوريا ولبنان. أولئك الذين كانوا يَصِموننا بأننا أهل صحراء لا نستحقُّ الثَّروة التي مَنَّ الله بها على أهل الخليج، ويطالبوننا بتقاسمها، ويرموننا بجهل البداوة، بينما هم أنفسهم اليوم يمارسون عبوديَّةً –بسفالةٍ تليق بهم- لأسيادهم هناك.

إنَّ أخطر الفيروسات ليس الجهل، بل المثقَّف الذي يطرح مبادئه للمقايضة على أرصفة الغرب. إنه السُّقوط المدويُّ في وحل التسوُّل، حيث يصبح النِّضال مأدبةً مموَّلةً، والوطن سلعةً في مزاد النِّفاق الفاضح.

هؤلاء الذين نراهم اليوم، منبطحين في بهو الفنادق الباريسية، والبنسيونات الغربية، يتباكون –باسم المعارضة للحكومة الجديدة- على الكرامة وهم يلعقون فتات أسيادهم، ليسوا إلا تعريفًا دقيقًا للخيانة الوجودية. إنهم لا يمثِّلون سوريا، بل يمثِّلون النَّدبة التي تحاول تشويه وجهها الأصيل.

إنهم ليسوا نخبةً، بل مجرَّد “رغوة” سامَّةٍ طفت على سطح مأساةٍ عميقةٍ. هم مثقَّفون طفيليون تحوَّلوا إلى دلَّالين في سوق النِّخاسة الفكرية.

وقد كالَ أحد أصدقائي المصريين جامَّ غضبه على الشَّرع، ووصفه بالجولانيِّ، مستشيطًا ممَّا ظنَّه انتقاصًا من العراق ومصر. فأرسلت له: “حنانيك أيُّها الصَّديق! الرَّجل لم يقل عن مصر والعراق إنهما فاشلتان أبدًا، وهذا تحريفٌ متعمَّدٌ غير علميٍّ أبدًا، بل كان دقيقًا حين ميَّز بين ‘النَّجاح’ و ‘النَّجاح المواكب للتطوُّر'”.

وأرسلتُ له النَّصَّ الحرفيَّ لِما قاله: “سوريا اليوم لديها علاقةٌ مثاليَّةٌ مع تركيا والسعودية وقطر والإمارات، وهذه دولٌ ناجحةٌ فيما أعتقد، مع احترامي لباقي الدُّول، دولٌ أيضًا لديها نجاحٌ، لكنَّها [يقصد الدُّول الأربع الأولى] تعمل بجهدٍ مضاعفٍ وسرعةٍ فائقةٍ وتواكب التطوُّر الحاصل في العالم”.

وأكملت رسالتي للصَّديق: “فإن كنت ترى غير ذلك، فأنت مجافٍ للحقيقة، فلا مقارنةً أبدًا بين تجارب الدُّول الآنفة بتجربتي مصر والعراق”. والحقيقة أنني أستغرب من كثيرٍ من إعلاميي مصر وقوفهم ضدَّ هذا الرَّجل الذي أعاد سوريا لحضنها العربيِّ، وركل الفارسيَّ خارجًا ورشَّد الوجود الرُّوسيَّ. إنه موقفٌ لا يصُبُّ في صالح أيِّ عروبيٍّ صميمٍ يفرح بعودة الأشقاء، فالعروبة ليست وصلة ردحٍ عاطفيَّةٍ، بل هي قراءةٌ واعيةٌ للمصائر المشتركة.

يا سادة: الحقائقُ لا تُغضب؛ الذي يُغضب هو التأويل الأعور البليد.

هذا الوضوح في الرُّؤية هو ما يفسِّر تصفيق الأمير محمد بن سلمان لبعض إجابات أحمد الشَّرع. فالشَّرع يقفو خُطا أميرنا المسدَّد، ولم يتوارَ خلف كلماتٍ عامَّةٍ حمَّالة أوجهٍ، بل قال صراحةً بأنه عرف الطَّريق الصَّحيح لإعادة سوريا لعمقها العربيِّ، وإعادة بنائها، عبر بوَّابة الرِّياض، حين صرَّح بلا مواربةٍ: “عندما توجَّهنا في الرِّحلة الأولى إلى المملكة العربية السعودية، فنحن عرفنا المفتاح أين”.

ثمَّ أكَّد هذا النَّهج بقوله: “المملكة العربية السعودية تشكِّل أهميَّةً كبرى في المنطقة، وهي برؤيتها الجديدة التي يقودها وليُّ العهد الأمير محمد بن سلمان أصبحت قبلة الاقتصاديين في المنطقة”.

الوضوحُ هو أقصرُ طريقٍ لإنهاء التِّيه؛ أن تسمِّي “المفتاح” هو أن تمتلك الباب.

أجزمُ بكلِّ يقينٍ، بتأثُّر الرئيس أحمد الشَّرع العميق برؤى وفكر أميرنا العظيم محمد بن سلمان. هل انتبهتم لجوابه عندما سُئل عن رهانه لعودة سوريا؟ لم يقل الاقتصاد أو الاستثمار أو الغاز، بل قال: “رهاني على شعب سوريا العظيم”.

إنه الصَّدى المباشر لقول أميرنا الهمام قبل أعوامٍ عن رهانه على همَّة شعبه، حين قال نصًَّا: ” هِمّةُ السعوديين مثل جبل طويق، ولن تنكسر إلَّا إذا انهدَّ هذا الجبل وتساوى بالأرض”.

يا أحبَّة: “قاسيون” دمشق يلتقي ب”طويق” نجد؛ إنه ميثاقُ الهمم الصَّاعدة.

النُّقطة الأخيرة التي أتوقَّف عندها، هي أنَّ أحمد الشَّرع فرصةٌ تاريخيَّةٌ لانطلاقة سوريا. الرَّجل ملهمٌ، وبعيد الغور، ومن القلَّة النَّادرة التي تميِّز بين عقليَّة الثَّورة وعقليَّة الدَّولة.

لقد استطاع بكلِّ جدارةٍ تجنيب سوريا ويلات ما بعد سقوط النِّظام البائد، و”دهس” على جرح السوريين بمنطقٍ نبويٍّ حين رفع شعار “فتحٌ بلا ثأرٍ” من أوَّل يومٍ لوصوله دمشق.

لقد استلم بلدًا خرابًا مدمَّرًا، بلا أيَّة مقوِّماتٍ، واستطاع خلال عشرة أشهرٍ، بمساعدة الشَّقيقة الكبرى السعودية وبعض أشقائها وجيرانها، تحقيق إنجازاتٍ لافتةٍ. ونتذكَّر جميعًا تلك اللَّحظة الخالدة التي فرِح فيها الأمير محمد بن سلمان بصدقٍ، وصفَّق، لحظة إعلان الرئيس الأمريكيِّ ترامب رفع العقوبات عن سوريا، ولكأنها كانت لبلاده.

أيُّها السوريون: التأريخُ لا يقدِّم فرصَهُ مرَّتين؛ إمَّا أن تقتنصها أو تدهسك العجلات القادمة.

أتمنَّى على السوريين الأحرار، ممَّن يخالفونه، بكافَّة طوائفهم ومللهم وأعراقهم، إعادة النَّظر في موقفهم. سوريا العظيمة أمام مفترقٍ تاريخيٍّ، وأيُّ عروبيٍّ حرٍّ سيصطفُّ خلف هذه القيادة، لأنها الفرصة الوحيدة أمام النَّهضة المنتظرة، والبديل هو الخراب والحرب الأهليَّة.

نعم، أنا أنفر من الخطاب الطَّائفيِّ، لكنَّه واقعٌ لا يمكن الالتفاف عليه. على أهل السُّنَّة، وهم الأغلبيَّة التي أُهينت على مدى خمسٍ وخمسين عامًا بحكمٍ طبقيٍّ شنيعٍ، وعلى العشائر العربية الأصيلة، أن يتمسَّكوا بأضراسهم وأياديهم بهذه الفرصة، وأن يلتفُّوا حول هذا القائد العربيِّ الصَّميم، بدلاً من الالتفاف حول قيادات جبل قنديل أو من وضع يده بيد الصَّهاينة ليطعن بلاده في خاصرتها. هامسًا لكلِّ سوريٍّ اليوم: عند مفترقات التاريخ الحادَّة، الحيادُ هو شكلٌ من أشكال الخيانة للذَّات والوطن.

أمام الهاوية، لا خيار ثالثًا بين التمسُّك بحبل النَّجاة الوحيد، أو السُّقوط الأبديِّ في العدم.

إنَّ ما يمثِّله أحمد الشَّرع وفريقه اليوم يتجاوز كونه مجرَّد “فرصةٍ”، إنه منعطفٌ تاريخيٌّ حاسمٌ يُمسك بمصير سوريا. هذا الأمر يتأكَّد يومًا بعد يومٍ، لا بالأقوال بل بالوقائع التي تتشكَّل على الأرض. ويكفي كبرهانٍ دامغٍ، يختصر كلَّ البراهين، أنَّ يد أميرنا الملهم قد لامست يده، وأنَّ الوعد قد أُعطي. وحين يعِد الكبار، فهم لا يتكلَّمون، بل يكتبون السَّطر الأوَّل من التاريخ القادم.

خذوها منِّي: يد الأمير محمد بن سلمان حين تلامس يدًا أخرى، فهي لا تصافح، بل تمنح “صكَّ المصير”.

زر الذهاب إلى الأعلى