بين فكّي الكمّاشة.. نحن سادة القرار لا وقود الحروب

بقلم: عبد العزيز قاسم
إعلاميّ وكاتب صحفيّ
في غمرة انشغالي بكتابي الجديد: “قازان.. الأندلس الأخرى” في هذا الشّهر الفضيل، أيقظني الدّكتور محمّد السّعيديّ بمقطعٍ بديعٍ له في اليوتيوب، يتحدّث عمّا يدور اليوم في السّاحة الفكريّة العربيّة والإسلاميّة كذلك.
(………………………………….)
باختصار: الخليج لم يدخل الحرب على إيران، لكنّ إيران -للأسف الشّديد- أدخلت الحرب إلى الخليج.
.
إذن، ما الّذي تقوله السّعوديّة فعلًا؟ تقول ما لا يعجب باعة الشّعارات: أنا لا أبرّئ إيران حين تعتدي على سيادتي، ولا أصفّق في الوقت نفسه لحربٍ أمريكيّةٍ إسرائيليّةٍ تريد أن تعيد ترتيب الشّرق الأوسط على مقاس أوهام نتنياهو. أنا مع سيادتي، ومع أمن شعبي. وكما شخّص الأرطبون السّعوديّ الدّاهية، الأمير تركي الفيصل، حين وصف ما يجري بأنّه «حرب نتنياهو»، مفكّكًا الأجندات المتصارعة. الخليج ليس مجنّدًا في جيش طهران، وليس طبّالًا في فرقة نتنياهو. ولهذا أقول بلا مجاملةٍ: إنّ أخبث ما في هذا السّجال هو الابتزاز العاطفيّ الّذي يريد من العربيّ أن يخلع ذاكرته كلّما تبدّل اتّجاه الصّاروخ.
يا للّه! يطالبون الشّقيق الأكبر، والرّقم الصّعب في معادلة الشّرق الأوسط، بأن يرتّب عواطفه ويصطفّ كتابعٍ أعمى، بما يرضي غرور المغامرين والمتربّصين!
أعود بكم بذاكرتي إلى الوراء، إلى فترة دخول صدّام حسين الكويت. كنت وقتها طالبًا جامعيًّا، أراقب بحسرةٍ موقف بعض الأشقّاء العرب حين اصطفّوا مع صدّام ضدّنا، وهلّلوا لضرب الرّياض والشّرقية بالصّواريخ. أدمى ذلك قلوبنا قهرًا، وبمجرّد انتهاء الحرب ودحره، جاؤوا صاغرين يعتذرون، فقابلتهم قيادتنا بالغفران، ديدن العظماء المنتصرين.
ولكن مهلًا؛ قد نغفر طعنة الخنجر تكرّمًا، بيد أنّنا لسنا من السّذاجة لنعيرهم ظهورنا مرّةً أخرى.
.
وأقارن نفسيّتي اليوم، وأنا أقرأ لبعض المثقّفين، من بقايا اليسار العربيّ والنّاصريّين والقومجيّين والإخوان، أصحاب شعارات الزّيف والمتاجرة بالدّين، وهم يصطفّون مع الملالي بحجّة حربهم للصّهاينة. هذا المزاج الثّقافيّ يخطئ خطيئةً كبرى حين يتحوّل إلى نوعٍ من غسيل السّمعة السّياسيّ بمسحوق فلسطين. فلسطين أشرف من أن تستعمل ورقة عبورٍ لكلّ مشروعٍ إقليميٍّ يريد أن يشتري الغفران بسطرين من الشّعارات. من السّخف الثّقيل أن يلقي علينا من لا تتساقط الصّواريخ فوق أسطحهم دروسًا في الرّومانسيّة الجيوسياسيّة. البعيد عن الوجع شاعرٌ جدًّا؛ إلى أن يصل الوجع إلى نافذته.
بصوتٍ عالٍ: من يغسل يد الملالي بماء فلسطين، لا ينصر فلسطين؛ بل يلوّثها.
(…………..)
شخصيًّا، لا أتمنّى لإيران نصرًا، بل أتمنّى لها ضعفًا يردّها إلى داخلها، ويشغلها بنفسها وشعبها، ويكفّ يدها عن العبث بأوطان جيرانها وتصدير ثورتها على حساب جوع شعبها؛ لكن من غير أن تنفجر على هيئة فوضى عمياء، يتطاير شررها علينا قبل أن يبرد رمادها عندهم. وبالمقابل، لا أتمنّى لنتنياهو انتصارًا، حتّى لا يخرج من هذا الخراب متوّجًا بشرطيّ المنطقة، يوزّع الحرائق بصفة الأمن، ويبيع الغطرسة في غلاف الاستقرار، ويعيد رسم المشرق بمسطرة الدّم.
ليتعبا معًا، وليستهلك كلٌّ منهما أوهام الآخر، ولنبق نحن خارج هذا الجنون، سادةً لقرارنا، نقف كالجبل الأشمّ، نحرس ترابنا، ونبسط ظلّنا لحماية أشقّائنا في الخليج؛ بوعي دولةٍ كبرى ترفض خوض حروبٍ لم تكن هي قائدتها أو مهندستها، وتتقن إخماد حرائق الخرائط، لا مجرّد النّجاة منها.