شارع الريل والدركتر والذكريات

بقلم: صالح بن عبدالرحمن الهويريني
طلب مني الإعلامي/ محمد الهمزاني أن أكتب عن شارع الريل والدركتر وعن الذكريات والعوائل التي سكّنت هناك، ليتحدث عنهما في السناب شات كعادته في كل مرة يتحدث عن حي من أحياء الرياض القديمة..
فهاهي الذكريات يسبق بعضها البعض، لترسم على الصفحات لوحة فنية ،نرى من خلالها جمال الماضي، ونشم رائحة عبقه الفواح!
نبذة عن شارع الريل وشارع الدركتر في فترة التسعينيات إلى عام 1402
سُمي شارع الريل بهذا الاسم لقربه من محطة القطار، وكبار السن تُسمي القطار ريل، وكثير من المسميات دخيلة علينا ككلمة بـ”قشة” و”باغة”و”كرّتة”و”موتر”وغيرها من الكلمات، التي قد يكون أصلها فارسي أو غير ذلك !
أما بالنسبة لشارع الدركتر سمعت من الوالد رحمه اللّه أن سبب التسمية هو لوقوف دركتر فترة طويلة في طرف الشارع، وشارع الدركتر يتفرع من شارع الريل ،فهو مسار واحد ينتهي بحرف T لشارع الريل من الجهة الشمالية ،تقع على أطرافه بعض المحلات التي يرتادها ساكني الحواري المحيطة به، كالبقالات ومحلات الحِلاقة وبعض الخطاطين، وكان هناك مكان معرف لدى أهل الحي ،وهو محل حميدان يبيع به العلف للماشية بحكم أن أغلب البيوت في التسعينيات هجري تُربي الماشية كالأغنام وقليل يُربي البقر.
وكان حميدان رجل بسيط يملك عربة لتحميل العلف وهذه العربة يجرّها حمار !
أيضاً يوجد محل غاز يُمول أهل الحي، وما زال المحل حتى الآن في آخر زيارة لي مطلع شهر ذي الحجة.
أيضاً هناك رجل يُدعى “علي السلمان” له مطبخ متواضع يطبخ للأهالي مناسبات الأعراس وأحياناً يأتي يطبخ بنفسه لأهل العرس في مقر إقامة الحفلة ،وهي غالباً في البيوت ،فيطبخ على الحطب ومكان الطبخ في الشارع .
أما شارع الريل فكان يختلف ،فهو مسارين عليه بعض العمائر الكبيرة يسكنها الأخوة الحضارم والفلسطينيين، فيها محلات للمُعدات والعِدد، وبعض الورش لصيا
الآن بقيت محلات العِدد أما الورش الصناعية لم يبقى منها شيء.
كان هناك مدرسة سعد بن أبي وقاص الابتدائية بالقرب من شارع الدركتر،تخرّج منها الكثير مما لهم مناصب الآن، ثم أنتقلت وأُخلي المبنى، وأنتقل أغلب أبناء الحارة للمدرسة السعودية، والمدرسة السعودية على طرف شارع الريل بزاوية الفرزدق وهو ما استحدث مؤخراً بعد تثمين بعض البيوتات لإتمام شارع الفرزدق ليمتد جهة الجنوب .
المدرسة السعودية سابقاً كانت غرب شارع الريل سمعت أنها كانت بيت للوجية الجميح ثم بعد ذلك أصبح البيت يُقام فيه الزواجات. أما الحالية كانت مكتب للعمل، ومازالت حتى الآن.
أما مدرسة البنات كان اسمها التاسع عشر الابتدائية، تخرّج منها الكثير ،هن اليوم معلمات وقائدات وموجهات، أمهات وجدات..!
من ضمن من درس فيها الصحافية والكاتبة الدكتورة ناهد باشطح في مرحلتها الابتدائية.
شارع الريل يمتد من الشرق ينتهي بالغرابي غرب.
أما حيّنا الذي ولدّت فيه وعشت فيه سنوات الطفولة هو “ثليم” غرب شارع الدركتر وجنوب شارع الريل وشمال شرق حلة القصمان.
الوالد رحمه الله سكن فيه بالسبعينات هجري، أما أنا ذكرياتي محصورة في التسعينيات هجري، فأذكر من العوئل التي سكنت بهذا الحي هم:
النويصر والمقبل والعثيم والعساف أبو حسين كان ظابط، أيضاَ السديس والد إمام الحرم المكي وكان الشيخ عبدالرحمن وقتها شاب مع والده وكان عمه صالح أيضاً من جيراننا وكان من ضمن العوائل الضلعان والقرناس والكنعان والنفيسة والجري والمفرح والعميم والعثيم والحديثي وعماش الثقيل واللحيدان، البطي والحبيب والخوير، المحسن والحواس والرثيع والخضير واليوسف والمحمود والضيف الله، المانع والراجحي والدهيمان والخضيري والعقيلي والجربوع، والنجيدي والمحمود والعبداني، الدويش و الجارالله والنملة والبراك، الخلف والخزيم والحجاج والزبن والبكري “العيوني” العقيل والعقل الصغير والحسون وغيرهم لم تحضرني أسمائهم.
وكان من ضمن سكان الحي رجل أسمه “أمان” ترجع أصوله أفريقية يسكن لوحده لا زوجة ولا ولد!سمعت أنه كان يعمل في قصور الأمراء حتى كبر سنه ثم ترك العمل ولكن تُصرف له مخصصات شهرية، وكان في ذاك الوقت يلبس الثياب المزينة بالقيطان، ويتعطر وتظهر عليه النعمة، وكان يُربي بعض الأغنام والطيور ولديه بقرة أيضاً، فكان يُدلل بقرته ويُشربها البيبسي ،كان رجل سمحاً كريماً يعطي ويجزل في العطاء خاصة العيديات لأبناء وبنات الحي، وكان الكل يحرص على أن يذهب إليه ليعطيه باقي الطعام لماشيته لما نجده من كرم وعطاء، كان محبوباً ومستأمن لدى رجالات الحارة.
كانت الحياة بسيطة نعيشها مثل باقي الأحياء المجاورة، بيوت طينية وشوارع ضيقة، نفرح بكل ما هو جديد، لنا ألعابنا الخاصة كالبرجون والرمان بلي والبلف، والعكوس وغيرها. وبعدالمغرب نجتمع ونسمر تحت ضوء لمبة صفراء عند أحد الأبواب إلى وقت العِشاء.
في ذاكراتي :
*رجل أسمر ذو لحية حمراء، يأتي بين الفينة والأخرى ليشتري الخردة من المعادن وبعض أسلاك النحاس .
*إمرأة مُسنة نسمع انها بلوشية، تطوف الشوارع وكنا نحن الأطفال نقوم بملاحقتها وأذيتها بالكلام، فتُلاحقنا وتثور علينا، وكانت في هيئة مخيفة!
أيضاً في الذاكرة بعض الباعة مثل:
* “الفَرقنا “بائع الملابس ،يحملها بـ”بقشة” على رأسه ويطوف الشوارع ،منادياً فرقنا،فرقنا.
*بائع الهريسة وهو من الأخوة اليمنيين نترقب مجيئه، يأتي بصينيته الدائرية المعدنية.
*بائع القاز يأتي بعربة يجرها حمار واضع برميل القاز في العربة، يجوب الشوارع ويردد بسرعة قازقازقاز ومن سرعته كأنه يقول قيقز ،حتى أننا نسميه راعي القيقز ،نسمع صدى صوته وهو آتي من بعيد!
*بائع الأيس كريم وهو مانسميه”عسكريم” يمشي ويُردد آيس كريم النجاح!
*مراقب عداد الكهرب يأتي ليقرأ العداد في مدخل البيت!
*سيارة الفليت وهي تجوب الشوارع والأطفال تركض وراءها من شارع إلى شارع !
*التوت المثلج في أكياس، تبيعه أحدى العوائل لتتكسب.
*بيع البليلة والبسطات في الشارع لبعض الأولاد والبنات .
*أم “حميّد”و”أم إبراهيم”ونساء آخريات يبعن في بيوتهن إما ملابس أو بعض حاجات النساء.
“أيضًا موقف لأأنساه وهو في ليلة مطيرة سقط بيت أحد العوائل من جيزان أظن أسمهم السرداب توفي ولد لهم كان يدرس معي تأثرت وقتها وأصبحت أخاف وقت المطر في الليل”..!
كان في الحارة دكانين صغيرين الأول لأبي عبدالله المحمود رحمه الله، رغم صغر مساحته إلا أنه متوفر به جميع الاحتياجات، حتى الأدوات المدرسية!
رحمه الله كان سمحاً في البيع والشراء، وكان يستأمنا رغم صغر سننا، يعطينا بالآجل إذا لم يتوفر معنا بعض القروش!
الدكان الثاني للسيد رجل من اليمن.
أما الآن تغيرت بعض المعالم لتثمين بعض البيوت لأمتداد شارع الفرزدق جنوباً وأيضاً لإقامة حديقة كبيرة ممتدة من شارع الفرزدق شرقاً إلى شارع الدركتر .
مسجد الحارة هو مسجد بن سحيم يقع في طلعة أحمد أسود كما كنت أسمع هذا الأسم عند الوصف والوصول لهذا المكان، لا أدري عن سبب التسمية وكأنني سمعت عن رجل سكن قديماً بهذا الاسم لم ألحق عليه ولم أعاصره، فأظن أنها سُميت الطلعة بأسمه، أما المسجد كان في رأس الطلعة وكان إمامه في تلك الفترة عبدالعزيز السديس رحمه الله والد إمام الحرم الشيخ عبدالرحمن السديس.
المصدر: الرياض