مقالات وبحوث

أيها السعوديون! أفشوا السلام بينكم

د. أحمد بن عثمان التويجري

يحزنني ويؤلمني انقسام كثير من السعوديين، وبخاصة المثقفون وأصحاب الرأي، حول كثير من القضايا والحوادث لا لشيء إلا لغلبة الأهواء والاصطفاف الفئوي دون التفات لمعايير الحق أو موازين المصالح الوطنية الكبرى. ويحزنني ويؤلمني بشكل أكبر وأعمق الانحرافُ في كثير من النقاشات إلى الفجور في الخصومة الذي يُخرج كل اختلافٍ وحوارٍ من دوائر التكامل والبناء إلى دوائر التنافر والهدم.

إن من أعظم سنن الله في الوجود اختلافَ الناس في القدرات والأفهام والتصورات. وليس عيباً على الاطلاق أن تتعدد الاجتهادات وتختلف الرؤى، وإنما العيب كل العيب هو في عدم القدرة على إدارتها الإدارة الحسنة، وإن العيب أعظم العيب هو في تحويلها إلى معاول هدمٍ وتدمير عوضاً عن جعلها مدارج للتطور والارتقاء.

روى الإمام مسلم رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده، لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أوَلَا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم))، فما أحوجنا إلى إفشاء السلام بيننا قولاُ وعملاُ، وما أحوجنا إلى أن نتحاب ونطهر قلوبنا من الأحقاد والضغائن، وأن نتذكر بأن جوامعنا المشتركة أعظم بكثير من كل مسائل الاختلاف بيننا، وقبل ذلك وبعده ما أحوجنا لأن تتسع صدورنا وعقولنا لما بيننا من اجتهادات واختلافات مهما عظمت.

أيها السعوديون!

لقد أكرمنا الله عز وجل بأن جعل أرضنا مهبط رسالته، ومحضن مقدساته، وقبلة عباده المسلمين، ومثوى خير وخاتم أنبيائه ورسله، فما أعظمَ مسؤولياتنا في هذا الوجود، وما أجلّ المهام الملقاة على عواتقنا، وليس من المعقول ولا المقبول على الإطلاق أن تشغلنا اختلافاتنا الصغيرة والهامشية عن مهامنا ومسؤولياتنا العظيمة، دع عنك أن تكون سبباً لفرقتنا وتناحرنا.

إن ارتباطنا بالإسلام ومبادئه وقيمه قدرنا في هذه الحياة، وإن مسؤوليتنا عن رعاية مقدسات الإسلام وأن نكون قبلة الأمة والقدوة لها شرف عظيم أكرمنا الله عز وجل به، فلتتوحد جهودنا وعزائمنا على شكر الله على ما خصنا به، ولننهض بهممنا وإراداتنا وأعمالنا إلى مستوى المسؤوليات المناطة بنا والآمال المعقودة علينا، ولنجعل المملكة الأنموذج الأمثل للدولة الإسلامية في السياسة والاقتصاد والإدارة والتعليم والثقافة والإعلام والصناعة والتجارة وكل مجالات الحياة الأخرى. وإن ما تشهده منطقتنا من صراعات وما يواجهه العالم من أزمات سياسية وعسكرية واقتصادية تحدياتٌ كبيرة تفرض علينا أن نرتقي باهتماماتنا ، وأن نوحد طاقاتنا لمواجهتها ، وألا نبعثر جهودنا في اهتمامات صغيرة وجانبية ، وخلافات مفتعلة ، ولن ينال أعداؤنا منا بشيء أعظم وأخطر من تشتتنا وافتراق كلمتنا وانشقاق صفنا ، فلنستحضر في كل حين قول الله عز وجل: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا” ، وقوله عز وجل: “وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ” ، ولنجعل وحدة جبهتنا الداخلية والتزامنا بثوابتنا أهم وأكبر ما نواجه به كل تلك التحديات والمخاطر.

أيها السعوديون!

إن حرية التعبير شرط أساس لتحقيق الوسطية والاعتدال ، بل وشرط من أعظم وأهم الشروط لتحقيق الأمن الاستقرار والسلام، وإن الانحرافات الفكرية ، والجنوح إلى الغلو والتطرف لا تنشأ ولا تترعرع إلا في كهوف الظلام وسراديب خنق الحريات ، فلتتسع صدرونا دولة ومجتمعاً لكل رأي مخالف طالما التزم بآداب التعبير ولم يتعد على حقوق الآخرين وأعراضهم ، ولم يصادم ثابتاً من ثوابت الدين ، ولنجعل الحوار الهادئ سبيلنا إلى التنوير والتطوير ، ولنحمل الأقوال على أحسن محاملها ، ولنجد الأعذار للمخطئين ، ولنجعل الأخوة والحب والتسامح سياجاً لجميع أفعالنا وأقوالنا وكل تعامل بيننا. ولنتذكر دائنا وأبداً أن ديننا دين السلام والرحمة ، وأن من أوجب واجباتنا أن نكون رسل السلام في العالمين ، ومعلمي الرحمة وناشريها في الوجود ، ولن يتحقق ذلك إلا إذا بدأنا بأنفسنا وأحيينا قيم ديننا المطهر في كل جنبات حياتنا ، وكنا القدوة للناس بالفعل قبل القول، ولنتذكر قول المصطفى عليه أفضل السلام: ” ثلاثٌ من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسه، وبذل السلام للعالم، والإنفاق مع الاقتار ” ، وقوله عليه الصلاة والسلام عندما سئل عن أي الإسلام خير، فقال: ” تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف”.

أيها السعوديون!

أفشوا السلام بينكم قولاُ وعملاُ، وتوحدوا لمواجهة التحديات التي تحيط بكم وبأمتكم، ولا تهدروا طاقاتكم وجهودكم في الانجراف وراء نزغات الشيطان، وتذكروا قول الصادق الأمين عليه أفضل الصلاة والسلام: “إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلكن في التَّحريشِ بينَهم”، وقولَ أبي الوليد الباجي رحمه الله في وصيته لولديه: “واعلما أني قد رأيت جماعة لم تكن لهم أحوال ولا أقدار، أقام أحوالهم، ورفع أقدارهم اتفاقهم وتعاضدهم. وقد رأيت جماعة كانت أقدارهم سامية، وأحوالهم نامية، محق أحوالهم، ووضع أقدارهم اختلافهم، فاحذرا أن تكونا منهم”.

اللهم يا حي يا قيوم ألف بين قلوبنا، وأعنا على تطهيرها من كل شحناء وضغينة، ووفقنا لإفشاء السلام بيننا، واجمع كلمتنا على الحق، ومكنا من أن نكون رسل هداية وسلام ورحمة للعالمين ، إنك سميع مجيب ، والحمد لله من قبل ومن بعد.

زر الذهاب إلى الأعلى